خطابان

من يصدق العالم العربي والاسلامي: الرئيس الاميركي باراك اوباما، أم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو؟. الاثنان تحدثا عن الدولة الفلسطينيّة، الأول أشار اليها كحل في إطار الدولتين، من دون تحديد مواصفاتها، فيما أسهب الثاني في الحديث عن المواصفات ليتبيّن في ما بعد أنه لا يريد دولة ذات سيادة وقابلة للحياة، بل مجرّد مشروع «كانتون» ملحق، له هامش ضيق من الحريّة والخصوصيّة الفلسطينيّة.

وينظر الأميركيّون نظرة واعدة، كون نتنياهو لفظ كلمة دولة، أمّا ما هي، وكيف يكون شكلها، فهذا سابق لأوانه، وللبحث صلة، فيما يحتفظ الأوروبيّون بقدر من التفاؤل «لأن نتنياهو قد فتح الطريق، أما كيف الانطلاق، ومتى الوصول الى الهدف، فالمسألة تحتاج الى الكثير من الصبر وطول الأناة وأيضا من الجهد والتعب للوصول الى نوع من المفاوضات. وعندما تبدأ، يمكن عندها ضبط قياس الزمن لمعرفة في أي عصر ستنتهي، وكيف ستكون النهاية.

لقد نجح نتنياهو في رمي الكرة في المرمى العربي، فكيف سيكون الردّ، هنا بيت القصيد؟. استنادا الى ما يردد، فإن غالبيّة الدول العربيّة تنظر الى البيت الأبيض، وتنتظر من الرئيس أوباما أن يأخذ المبادرة، ويضع أجندة محكمة التوقيت لتنفيذ ما جاء على ذكره في رسالته الموجهة الى العالمين العربي والإسلامي ليصار الى ملاقاته في منتصف الطريق لمؤازرته على تحقيق ما وعد بتنفيذه.

وهذا النوع من الاتكاليّة هو السائد الآن، طالما أن الموقف العربي الواحد الموحّد في خبر كان، وطالما ان الجغرافيا السياسيّة العربيّة منشطرة الى محاور، واصطفافات. مصر ملتزمة باتفاق «كمب دايفيد» من جهة، وبحصّة الملياري دولار من الولايات المتحدة من جهة أخرى، تحت شعار دعم عملية السلام. ويعوّل الرئيس حسني مبارك على اجتماعاته الدورية مع المسؤولين الاسرائيليين لتحقيق اختراقات، فيما النتائج تبقى وعودا، وشعارات لم تشبع أحدا في الشرق الاوسط من طلاّب السلام العادل والشامل، ولم ترو عطشانا يرمق القرارات الدوليّة، لعلّ بعضها يأخذ طريقه نحو التنفيذ. أما دول الاعتدال فعينها القلقة مصوّبة على إيران النووية، وتمددها في المنطقة، فيما الأخرى على إسرائيل، ولو بنسبة أقل، كون خطرها أقل ـ بنظر البعض ـ أو كونها حاليّا في غرفة العناية الدوليّة المركزة ـ بنظر البعض الآخر ـ بانتظار ان ينطلق الحوار الاميركي الجدّي مع طهران، فربما يصبح الظرف متاحا لإحداث تغيير ما في المعادلة السائدة.

أما سوريا المطالبة بالخروج من الحضن الايراني، فلم تتوفر أمامها البدائل بعد، فلا العروض الاميركيّة مغريّة، ولا العروض العربيّة على مستوى التحديات، فيما المصالحة مع الرياض مثقلة بتركة صعبة ومكلفة، وتحتاج الى المزيد من الجهد وعامل الوقت.

إن هذا التشرذم والضياع والتفكك يوفّر المناخ المؤاتي لأطماع الحكومة الإسرائيليّة المتطرّفة، ويشجع نتنياهو على المضيّ قدما بمشروعه الاستفزازي لأنه مقتنع بعمق الفراغ والخواء الحاصل على مستوى العالم العربي، وعمق اطمئنانه الى التنسيق القائم مع إدارة الرئيس أوباما، بعدما أقنعها بنظريّته القائلة بوجوب قيام الدول الإسلاميّة والعربيّة بالخطوة الأولى لجهة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهوديّة، وتطبيع العلاقات الاقتصاديّة معها، وبعدها يكون لكل حادث حديث حول المخرج الممكن للقضيّة الفلسطينيّة؟!.

أما الردود اللبنانية على خطاب نتنياهو خصوصا ما يتعلّق باللاجئين، فقد تحررت من كل الاتهامات السابقة المتبادلة بين من كان يدعي بأن التوطين «فزيّعة»، وبين من كان يعير هذه «الفزيعة» قدرا من الجديّة، وفي المحصلة فإن الموضوع مرشّح لأن يكون الأهم في جدول اهتمام الحكومة المقبلة، لمواجهة الإدارة الاميركيّة بالحقائق، حتى لا تكون الصفقات والتسويات في المنطقة على حساب لبنان؟!...

                                   جورج علم (السفير) ، الثلاثاء 16 حزيران 2009

Ref: http://www.nowlebanon.com/Arabic/NewsArticleDetails.aspx?ID=98751&MID=87&PID=46