وادي قنوبين وقزحيا وأرز لبنان على لائحة التراث العالمي

 

بعد 10 سنوات على تصنيف اليونسكو وادي قنوبين وقزحيا وأرز لبنان على لائحة التراث العالمي، ها هو اليوم مهدد بوضعه على لائحة الخطر أو رفع التصنيف عنه بعدما ارتفع فيه فندق من 3 طبقات

افتُتح أمس في دير مار أنطونيوس قزحيا (قضاء زغرتا ــــ إهدن) فندق صغير يطلق عليه اسم «واحة قزحيا». الفندق عبارة عن مبنى يرتفع ثلاث طبقات، يُقسم في داخله إلى غرف نوم صغيرة وصالة استقبال واسعة تطلّ على الوادي الرائع الجمال. لا شك في أنها فكرة تجد من يدافع عنها، لكنها في المقابل تثير مشكلة تراثية قد تحرم لبنان من امتياز عالمي. ذلك أن توسيع إطار العمل في مكان مصنّف عالمياً يجب أن يتبع معايير دقيقة، وخصوصاً للمحافظة على ديناميكية المكان التي تعدّ العنصر الأوّل في المحافظة على الطابع الأثري.

وفي حالة الفندق، ستتغيّر هذه الديناميكية بالتأكيد في الأيام المقبلة. علماً بأن هذا التغيير لن يكون الوحيد الذي سيطرأ على الدير المبني في وسط الوادي، والذي يُعدّ من أجمل المراكز الدينية في لبنان. لكن الطريق المؤدية إليه باتت اليوم مغطاة بواجهات صخرية من لونين، وتظهر في الطبقات العليا شبابيك ضيقة ترتفع فوق قناطر كبيرة يتمايز فيها لونان للحجر... بناء حديث ضخم حلّ مكان صخر طبيعي مغطى بالأشجار ومبنى قديم شُيّد في سبعينيات القرن الماضي.

يذكر أن لغطاً كبيراً أُثير بين المديرية العامة للآثار ورئاسة الدير الحالية عن الطريقة التي بُني فيها الفندق. ففي حين أكدت الأولى لـ«الأخبار» أن مشروع إنشاء الفندق لم يكن محبذاً أبداً لديها وحاولت مراراً التصدي له، ولكنها حينما عرفت أن المشروع واقع لا محالة، حاولت الحدّ من الأضرار والعمل على هندسة البناء المقبل بشكل يتماشى مع طبيعة الوادي والشكل القديم. فكان أن طلبت إنشاء مبنى من طابقين لا يرتفعان في الجبل، على أن تكون الواجهة من لون حجر واحد وبسيطة جداً من دون أي قناطر أو أشكال هندسية للشبابيك. وعمل على الخرائط وأتت الموافقة من المديرية واليونسكو على ذلك الشكل الهندسي، ولكن حين بدأ التنفيذ تغيرت المعايير.

في المقابل، يشرح رئيس الدير الأب طوني طحان، أنه حينما استلم الدير سنة 2005 وجد أمامه خرائط هندسية لشكل فائق البشاعة، فأعيد النظر بالصياغة والشكل لكي يأتي بشكل مقبول جمالياً. وعن تماشي الخرائط مع المنظر العام وتاريخ الوادي، أكدّ الأب طحان أنه «أصلاً غير موافق على المشروع»، ويتساءل: كيف سمحت المديرية العامة للآثار بإنشائه، وخصوصاً أن عملها يهدف أولاً إلى المحافظة على المواقع؟ «ما كان يجب القبول بأي رخصة تطرح عليهم ولا بأي تعديلات». من جهتها، تؤكد المديرية أنها أرسلت رسائل عدة، تنبيهاً مما يجري وعدم مجاراة الشكل العام للوادي، ولكن «كأنها لم تصل».

النتيجة أنه يرتفع اليوم في الدير فندق من ثلاث طبقات مشيّد بأسلوب هندسي بعيد كل البعد عن الشكل الهندسي المتبع في الوادي تاريخياً. «التلويث للمنظر» واقع لا محالة، والحل الذي قد يطرح في الأيام والشهور المقبلة ستكون كلفته عالية جداً، ويتطلب في أبسط الحالات إعادة تنظيم الواجهات، ومن الضروري جداً إعادة العمل على شكل الفندق لإدخاله هندسياً في الشكل العام.

وإلى حينه يمكن القول إن وادي دير قزحيا خسر الكثير من طابعه الروحي والتاريخي. والخسارة، إن لم تُحصر في القريب العاجل، فقد تطال الوطن كله. فالمخالفات في وادي قاديشا أضحت كثيرة، والأهالي والبلديات ورؤساء المراكز الدينية لا يتقيّدون أبداً بشروط العمل التي كانت وضعتها منظمة اليونسكو والتي هي الشرط الأساسي لإدراج الوادي على لائحة التراث العالمي، وإذا لم يعمل بالشروط فقد يصنّف الوادي وغابة الأرز كمرحلة أولى على «لائحة التراث العالمي المهددة بالخطر». وإذا استمرّ الوضع على ما هو عليه فقد يرفع الوادي عن لائحة التصنيف ويخسر بذلك امتيازاً عالمياً... إنها ليست قصة فندق وبيت وأبنية مخالفة، إنها مسألة احترام للتاريخ والطبيعة، وعدم تشويهها للأجيال القادمة وإبقاء بعض ميزات هذا الوطن.
ج.ب

دير قزحيا

يُعدّ دير مار أنطونيوس قزحيا من أكثر المعالم الدينية ارتياداً من السياح في الوادي. ويعود ارتباط أبناء المنطقة به إلى القرون الماضية، وهو دخل حياتهم اليومية من باب الدين والمعتقدات وحتى «إعادة التأهيل». ففي الدير، قرب الكنيسة، هناك مغارة طبيعية لا تزال حتى اليوم تتدلى من سقفها أسلاك حديدية كان يُربط فيها «المجانين»، ويُتركون داخل المغارة حتى يشفوا...
وبالإضافة إلى أهميته الدينية، له أهمية تاريخية، لأنه يحوي أول مطبعة عربية في الشرق الأوسط، وكان الرهبان حاولوا إبراز طابعه التاريخي عبر إنشاء متحف صغير للقطع التراثية التي كان يعمل بها في الدير وترميم محبسة إيليا بتمويل من السفارة الأميركية