قمة العشرين: فشل أم نجاح؟

تحويل اجتماعات الدول الكبرى من خمسة أعضاء في العقود الماضية الى سبعة فثمانية وأخيرا الى عشرين يعبر بحد ذاته عن تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي. لم يعد بإمكان الدول الغربية وحدها إدارة الاقتصاد الدولي، اذ تحتاج الى مشاركة العديد من الدول النامية والناشئة من كل المناطق. من الضروري أن ينعكس هذا الواقع سريعا على ملكية إدارة المؤسسات الدولية ودورها وطرقها، وفي طليعتها البنك وصندوق النقد. لا شك بأن الأزمة الحالية هي الأسوأ منذ الثلاثينيات، وتصيب كل نواحي الاقتصاد الدولي ومناطقه. من أهم مصادر الأزمات هو الإقراض المتهور الذي تقوم به بعض المصارف لهدف الربح في غياب رقابة جيدة، تماما كما حصل في التسعينيات في أميركا اللاتينية وشرق آسيا. من المصادر الأخرى الأساسية للأزمات هي الفساد الذي يضرب ثقة المستثمر بالمؤسسات والأدوات، تماما كما يحصل اليوم بفضل «مادوف» و«ستانفورد». الأول قام بأكبر سرقة في التاريخ، أما الثاني فما زالت طرقه الملتوية تحير المراقبين والمفتشين ولا بد من أن تكون النهاية أبشع مما نتصور.

لم يعد ممكنا تنويع الاستثمارات الدولية، اذ أن جميع الاقتصادات والأسواق يسقط اليوم وبالتالي لا يوجد ملاذ آمن. حتى الذهب، ومنذ إعلان صندوق النقد عن نيته تسييل كميات كبيرة منه لتكوين مجموعة أموال جديدة قابلة للإقراض، أخذ يسقط ويفقد وهجه الاستثماري التاريخي. المستثمرون ضائعون اليوم بسبب غياب الفرص الاستثمارية الجيدة، علما بأن سقوط أسعار الأسهم والأصول يجب أن يكون حافزا للشراء. هذا في ظروف طبيعية، أما اليوم فالموضوع مختلف بسبب الشك في قدرة المؤسسات المصرفية والمالية والشركات العادية على الاستمرار. هنالك شك بما يتعلق بسلامة الأسواق المالية والنقدية بعد فشل مؤسسات الرقابة في تجنب أزمة من هذا النوع أو أقله اكتشافها قبل حصولها وامتدادها بالشكل الذي تم. هنالك شك في استمرارية بعض الصناعات الأساسية وفي مقدمها صناعة السيارات بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج وعدم تطبيق التكنولوجيا المخفضة للاستهلاك وبالتالي للتلوث.

لا شك بأن معظم توصيات القمة جيدة وتعبر عن قلق المشاركين بشأن مستقبل الاقتصاد الدولي. لكن القرارات بحاجة الى آليات تطبيق ما زالت غامضة، كما تحتاج الى إعادة ثقة المستثمر بالاقتصاد كي تصبح فاعلة وناجحة. المهم بالنسبة للمستثمر هو الضوابط التي وضعت لتجنب تكرار مثل هذه الكوارث مستقبلا. لا نجد هذه الآليات في توصيات القمة بالرغم من بعض القرارات الصائبة بشأن ضخ الأموال العامة هذه السنة وفي سنة 2010 تجنبا لسقوط أكبر في الاقتصاد الدولي. من النواقص الأساسية للقمة هي عدم معالجة أسباب الأزمة وبالتالي لم تعط المواطن والمستثمر ما يطمئنه. لماذا حصلت الأزمة أولا؟ هل بسبب زيادة التجارة الدولية أم تدفقات الأموال أم بسبب ضعف المؤسسات وعدم التنسيق في ما بينها أم لغيرها من العوامل والأسباب المرتبطة بالجشع والفساد؟ طالما لم تعالج الأسباب أو على الأقل تفهم بشكل أكيد، لا يمكن الطلب من المواطن العودة الى الأسواق وكأن شيئا لم يكن. لن تحل المشكلة الحالية قبل أن تعود ثقة المواطن الى سلامة الأسواق، وهذا لم يحصل بعد بالرغم من الجهود المبذولة والسياسات المالية والنقدية السخية المتبعة على جانبي الأطلسي وفي اليابان أيضا.

يحتاج المواطن الى الاطمئنان بشأن النقد الدولي أي عمليا الى سلامة الدولار كنقد دولي أساسي. ما هي سياسة الولايات المتحدة بهذا الشأن؟ هل تسعى الى دولار قوي أم تريد تركه في الأسواق ليتقلب تبعا لحاجة ميزان الحساب الجاري لديها؟ ما هي سياسة الولايات المتحدة بشأن عجز ميزان الحساب الجاري المتفاقم وحاجتها الى الاقتراض من الخارج لتمويله؟ هل هنالك نهاية متوقعة لهذا الخلل الخارجي الأميركي الكبير؟ ألم يحن الوقت كي تنظم أميركا نفسها اقتصاديا وماليا وإداريا بشكل أفضل بحيث تكون النموذج الدولي لا العائق الأساسي في وجه الاستقرار العالمي؟ هل هنالك جدوى من إدخال نقد دولي جديد، كما يطالب البعض، لأن النقد الوطني الموجود اليوم غير قوي ويتقلب كثيرا؟ هل أن إدخال هذا النقد الجديد يحل المشكلة أم يعقدها أكثر في غياب جهات عديدة وقوية داعمة له؟

علمتنا الأزمات الماضية أن المال يشتري الوقت، لكن السياسات الاصلاحية الصحيحة وحدها تثبت الاستقرار. حتى الآن تم الجزء الأول، الا أن الاصلاحات الحقيقية التي تقوي المؤسسات وتعزز الرقابة لم تطبق بعد وبالتالي ما زلنا في مرحلة الانقاذ لا في فترة البناء. من قرارات القمة وضع نوع من الرقابة على «صناديق التحوط» لأنها متهمة بتسبب الكثير من التقلبات في الأسواق. الا أن هذه الصناديق تجذب أيضا الى الأسواق أموالا كبيرة تستثمر في مشاريع وأدوات في الدول الناشئة تحتاج الى أموال كهذه لتنفيذ مشاريع تدعم النمو ولا ترغب فيها المصارف والصناديق العادية. وضع رقابة قوية على هذه الصناديق ربما يخفف التقلبات، إلا أنه يؤثر سلبا على الاستثمارات خاصة في الدول ذات المخاطر المرتفعة. لا ننسى أن أموال صناديق التحوط تأتي من الأغنياء الذين يرغبون في المخاطرة ببعض أموالهم في سبيل الحصول على عائد مناسب ومرتفع. الموضوع نفسه حصل بشأن «الجنات الضرائبية» التي يضغط عليها لتلغي السرية المصرفية، علما بأن هنالك أموالا تترك دولا ليس للتهرب من الضرائب بل للهرب من الظلم أو التأميم أو غيرها. في الاقتصاد ليس هنالك غداء مجاني، إلا أن الحكمة تقضي دائما بمعالجة كل جوانب الموضوع وليس جزءا منه.

من القرارات الأخرى وضع 5 آلاف مليار دور جديدة في الأسواق. هذا جيد ولكن من أين تأتي؟ ربما من الصناديق السيادية التي حققت سابقا عائدا سنويا مرتفعا على معظم استثماراتها قارب نسبة الـ 15%. المعلوم أن صندوق أبو ظبي يأتي في الطليعة، أي عبر أصول يملكها ربما تساوي 875 مليار دولار. هنالك صناديق عربية كبيرة كالصندوق الكويتي الذي تبلغ أصوله حوالى 250 مليار دولار والقطري 60 مليار دولار. لا بد لهذه الأرقام من أن تتغير من ظرف لآخر بسبب تقلبات الأسواق وبالتالي قيمة الأصول. تتوزع أصول الصناديق السيادية جغرافيا على القارات الخمس بالرغم من تركيزها على بعض الأسواق كالنمسا وبلجيكا والدنمارك وفنلندا واسبانيا في مجموعة الدول الصناعية وعلى البرازيل وكوريا والمكسيك في مجموعة الدول الناشئة. أما من ناحية القطاعات التي تستثمر فيها، فيظهر أنها تركز على النقل والنفط والخدمات بكل أنواعها وتبتعد عن الزراعة والعديد من الصناعات الأساسية. لا تستقطب الدول الفقيرة، وتبعا للإحصائيات المتوافرة، أي جزء يذكر من استثمارات الصناديق السيادية.

رفضت القمة بوضوح كل أنواع الحمايات التي تعرقل التجارة الدولية المؤثرة ايجابا على النمو. إلا أن بعض واضعي التوصيات هم من أهم المعرقلين لحرية التجارة. المطلوب العودة الى مفاوضات ضمن منظمة التجارة العالمية ربما تعدل بعض البنود وخصوصا سرعة تحرير التجارة بحيث تتجنب بعض مساوئ التحرير وتحافظ على الفوائد الكبيرة. يمكن اعتبار المكسيك وهي المشاركة في قمة العشرين من أهم الأمثلة التي انتقلت من نظام تجاري حمائي الى آخر حر عبر اتفاقية منطقة التجارة الحرة مع جاريها الشماليين. ارتفعت الصادرات المكسيكية بنسبة سنوية قدرها 15% في فترة 1990ـ1994 و32% في سنة 1995 و17% سنويا في فترة 1996ـ2000. لم تكمل المكسيك مسيرتها التجارية المدهشة لأنها ركزت جهودها على القطاعات المصدرة وأهملت الأخرى، مما سبب شرخا كبيرا داخل الاقتصاد انعكس سلبا على نسب النمو ودرجات التنمية. لا يمكن معالجة المشاكل الاقتصادية إلا بنظرة متكاملة وهذا ما نتعلمه من المكسيك، لأنها تبقى مرتبطة بعضها ببعض.

                                                لويس حبيقة، السفير، العدد 11268،11/04/2009

 

Ref: http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1210&ChannelId=27827&ArticleId=1217&Author=%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%B3%20%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D9%82%D8%A9